هل يمكن أن يزيد ضغط العمل من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم؟


ينتهي الاجتماع...

لكن عقلك لا يزال يناقش كل كلمة قيلت فيه.

تغلق جهازك...

لكن الرسائل تستمر في الوصول.

تعود إلى المنزل...

بينما كتفاك مشدودتان، ونبضك أسرع، وعقلك ما زال في المكتب رغم أنك خرجت منه منذ ساعة.

وهنا يظهر السؤال:

هل يمكن أن يتحول ضغط العمل من شعور مؤقت إلى عامل يؤثر في ضغط الدم؟

الإجابة هي: قد يساهم في ذلك، خصوصًا إذا كان التوتر شديدًا ومستمرًا ويصاحبه نوم سيئ وقلة حركة وعادات صحية غير متوازنة. لكن ضغط العمل ليس السبب الوحيد لارتفاع ضغط الدم، ولا يستجيب جميع الأشخاص له بالطريقة نفسها. 

ماذا يحدث للجسم في يوم العمل الضاغط؟

عندما يشعر الدماغ بوجود تهديد أو ضغط، حتى لو كان التهديد عبارة عن موعد تسليم أو رسالة من المدير وليس نمرًا يطاردك في الغابة، ينشط الجسم استجابة التوتر.

فيزداد إفراز هرمونات التوتر، ويتسارع النبض، وتنقبض بعض الأوعية الدموية، وقد يرتفع ضغط الدم بصورة مؤقتة لتجهيز الجسم للتعامل مع الموقف.

هذه الاستجابة طبيعية ومفيدة عندما تستمر لفترة قصيرة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الموظف في حالة استعداد دائم:

  • مهام لا تنتهي.
  • مسؤوليات دون صلاحيات كافية.
  • ساعات عمل طويلة.
  • خوف مستمر من الخطأ.
  • ورسائل عمل تلاحقه حتى وقت النوم.

تشير دراسات عن «الإجهاد الوظيفي» إلى ارتباطه بارتفاع قراءات ضغط الدم وزيادة احتمال الإصابة بارتفاع الضغط لدى بعض العاملين، مع اختلاف قوة العلاقة بين الدراسات والفئات المهنية. 

هل التوتر وحده يسبب ارتفاع ضغط الدم؟

لا نستطيع أن نقول إن كل موظف متوتر سيصاب بارتفاع ضغط الدم.

فضغط الدم يتأثر بعوامل كثيرة، منها:

  • العمر والتاريخ العائلي.
  • الوزن.
  • كمية الملح في الغذاء.
  • النشاط البدني.
  • التدخين.
  • النوم.
  • السكري وبعض الحالات الصحية.

لكن التوتر قد يزيد المشكلة بطريقتين:

الأولى مباشرة، من خلال تنشيط استجابة الجسم ورفع الضغط بصورة مؤقتة.

والثانية غير مباشرة، عندما يدفع الموظف إلى عادات ترفع الخطر، مثل قلة الحركة، والأكل غير المتوازن، والتدخين، والإفراط في المنبهات أو الكحول، وإهمال النوم والدواء. 

ما ضغط العمل الأكثر ضررًا؟

ليس مجرد وجود مهام كثيرة.

فأحيانًا يكون اليوم مزدحمًا، لكن الموظف يشعر بأنه مسيطر وقادر على اتخاذ القرار ويحصل على دعم مناسب.

أما الضغط الأكثر إنهاكًا، فعادة يجمع بين:

مطالب مرتفعة + تحكم محدود + دعم ضعيف + تعافٍ غير كافٍ.

ولهذا قد يكون موظفان في الوظيفة نفسها، لكن أحدهما يشعر بالتحدي والحماس، بينما يشعر الآخر بأنه محاصر طوال الوقت.

كما أن ساعات العمل الطويلة ارتبطت في أبحاث بزيادة مخاطر القلب والأوعية الدموية، خاصة عندما تستمر سنوات ولا تترك مساحة كافية للتعافي. 

لماذا قد لا يعرف الموظف أن ضغطه مرتفع؟

ارتفاع ضغط الدم لا يسبب دائمًا صداعًا أو دوخة أو أعراضًا واضحة.

وقد يشعر الشخص بأنه بخير بينما تكون القراءات مرتفعة.

لذلك لا يمكن الاعتماد على الشعور وحده، والطريقة الصحيحة لمعرفة ضغط الدم هي قياسه بطريقة سليمة ومتابعة القراءات مع الطبيب عند الحاجة. 

وقراءة مرتفعة واحدة بعد اجتماع عصبي لا تعني بالضرورة أنك مصاب بارتفاع ضغط الدم؛ التشخيص يعتمد على قراءات متكررة وتقييم طبي.

كيف يؤثر ضغط العمل في أداء الموظف؟

عندما يبقى الجسم والعقل في حالة استنفار، قد تظهر آثار لا تبدو مرتبطة مباشرة بالقلب، مثل:

  • ضعف التركيز.
  • سرعة الانفعال.
  • الإرهاق الذهني.
  • صعوبة النوم.
  • الصداع أو شد الرقبة والكتفين.
  • كثرة الأخطاء.
  • والرغبة في الغياب أو الانسحاب من العمل.

وهنا تصبح المشكلة دائرة:

ضغط العمل يرهق الموظف...

فتقل كفاءته...

فيتراكم العمل...

فيزداد توتره أكثر.

الجسم يقول: «أحتاج استراحة»، وجدول المواعيد يرد عليه: «تم رفض الطلب» 😅

أين يأتي دور التاي تشي؟

التاي تشي ليس علاجًا بديلًا لارتفاع ضغط الدم، ولا يجوز إيقاف الدواء أو تعديل الجرعة بسببه.

لكنه قد يكون جزءًا من نمط حياة يساعد الموظف على:

  • إدخال الحركة إلى يوم يغلب عليه الجلوس.
  • تهدئة سرعة التنفس.
  • ملاحظة التوتر في الكتفين والفك.
  • الانتقال من حالة الاستنفار إلى حالة أكثر هدوءًا.
  • وتحسين الالتزام بنشاط بدني يمكن الاستمرار عليه.

وتوصي الإرشادات الصحية بالنشاط البدني المنتظم وإدارة التوتر والنوم الجيد كجزء من الوقاية من ارتفاع ضغط الدم أو التحكم فيه، إلى جانب الغذاء المناسب والدواء عند وصفه. 

لكن جلسة تاي تشي قصيرة لا تمسح أثر بيئة عمل مرهقة بالكامل.

الأفضل أن يعمل الحل في اتجاهين:

الموظف يتعلم إدارة التوتر، والمنظمة تقلل مصادر التوتر غير الضرورية.

ماذا يستطيع الموظف أن يفعل؟

لا تحتاج إلى الاستقالة والانتقال للعيش في جبل ناءٍ بلا إنترنت... مع أن الفكرة مغرية أحيانًا 😅

ابدأ بخطوات واقعية:

  • قِس ضغطك دوريًا إذا كان لديك تاريخ عائلي أو عوامل خطورة.
  • انهض وتحرك لبضع دقائق خلال ساعات العمل.
  • لا تجعل وجبة الغداء تؤكل دائمًا أمام الشاشة.
  • ضع حدًا واضحًا لرسائل العمل خارج الدوام قدر الإمكان.
  • مارس نشاطًا منتظمًا تستمتع به، مثل المشي أو التاي تشي.
  • احمِ وقت النوم، ولا تعتبره وقتًا فائضًا للعمل.
  • التزم بالأدوية والمتابعة الطبية إذا شُخّصت بارتفاع ضغط الدم.

وماذا تستطيع المنظمة أن تفعل؟

لا يكفي أن تقدم المنظمة للموظفين محاضرة بعنوان «لا تتوتروا» ثم ترسل لهم عشرين مهمة قبل نهاية الدوام.

البيئة الصحية تحتاج إلى:

  • أعباء عمل واقعية.
  • وضوح في الأدوار.
  • مساحة لاتخاذ القرار.
  • دعم من المدير المباشر.
  • احترام وقت الراحة.
  • تشجيع الحركة خلال اليوم.
  • وبرامج عافية لا تحمل الموظف وحده مسؤولية مشكلة صنعتها بيئة العمل.

فصحة الموظف ليست موضوعًا شخصيًا منفصلًا عن المؤسسة؛ هي جزء من الاستدامة والإنتاجية وجودة العمل.

متى تحتاج إلى مراجعة الطبيب؟

راجع الطبيب إذا ظهرت لديك قراءات ضغط مرتفعة بصورة متكررة، أو كنت مصابًا بارتفاع الضغط وأصبحت القراءات غير مستقرة.

أما الأعراض المفاجئة مثل ألم الصدر، أو ضيق النفس الشديد، أو ضعف أو خدر مفاجئ، أو اضطراب الكلام أو الرؤية، فتحتاج إلى رعاية عاجلة، ولا ينبغي اعتبارها «مجرد توتر».

الخلاصة

قد لا يكون ضغط العمل وحده سبب ارتفاع ضغط الدم، لكنه قد يصبح عاملًا مؤثرًا عندما يكون مزمنًا ويقترن بقلة الحركة، وسوء النوم، والعادات الصحية غير المتوازنة.

ولهذا فالعناية بالصحة أثناء العمل ليست رفاهية، ولا مكافأة نؤجلها إلى الإجازة.

إنها جزء من القدرة على الاستمرار في العمل دون أن يدفع الجسم الفاتورة لاحقًا.

 

رسالة من جودة الحياة الوظيفية

النجاح الوظيفي لا يعني أن تنجز عملك مهما كان الثمن...

بل أن تنجزه بطريقة تسمح لك بأن تعود في اليوم التالي بعقل حاضر وجسد قادر على الاستمرار.

فالعمل جزء من حياتك، وليس من المفترض أن تصبح صحتك ثمنًا له.

 

مقالات قد تهمك

إرسال تعليق

0 تعليقات