
دخلت الصالة للمرة الأولى وهي تمشي ببطء.
لم تكن تضحك كثيرًا، ولم تبدُ متحمسة لتجربة شيء جديد.
وقبل أن تبدأ الجلسة، قالت جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم:
"أنا لا أريد أن أصبح رياضية... أريد فقط أن أشعر أن جسدي لم يعد ضدي."
توقفت لحظة.
لأنني أدركت أن هدفها لم يكن اللياقة.
كان شيئًا أعمق بكثير.
عندما تصبح الحركة مصدرًا للخوف
بعد سنوات من الألم، أو الإصابة، أو المرض، يبدأ كثير من الناس في تجنب الحركة.
ليس لأنهم كسالى.
بل لأنهم يخشون أن تؤذيهم الحركة أكثر.
فيصبح السؤال الذي يدور في أذهانهم:
"ماذا لو زاد الألم؟"
"ماذا لو فقدت توازني؟"
"ماذا لو لم أستطع؟"
وهكذا، يتحول الخوف إلى عادة.
المشكلة ليست في العضلات فقط
عندما نتوقف عن الحركة، لا تضعف العضلات وحدها.
أحيانًا تضعف الثقة أيضًا.
فيبدأ الشخص بالتردد قبل صعود الدرج.
ويتردد قبل حمل شيء ثقيل.
ويتردد حتى قبل تجربة نشاط جديد.
ليس لأن جسمه عاجز...
بل لأنه لم يعد يثق بما يستطيع فعله.
بدأنا بخطوات لا تكاد تُرى
في أول جلسة، لم نكن نفكر في عدد السعرات.
ولا في سرعة الحركة.
ولا في إتقان جميع الوضعيات.
كان الهدف الوحيد أن تشعر بالأمان.
تعلمت أن تنقل وزنها بهدوء.
أن تتنفس دون استعجال.
أن تلاحظ قدميها على الأرض.
وأن تكتشف أن الحركة يمكن أن تكون لطيفة، وليست معركة.
لم يكن التغيير في المرآة...
بعد عدة أسابيع، سألتها:
"هل تشعرين أنك أصبحتِ أقوى؟"
ابتسمت وقالت:
"لا أعرف إن كانت عضلاتي أقوى... لكنني لم أعد أخاف من النزول على الدرج."
في تلك اللحظة، شعرت أن هذا هو النجاح الحقيقي.
لأن الثقة لا تُقاس بالميزان.
ولا تُقاس بمقاس الملابس.
بل تُقاس بالأشياء الصغيرة التي عدنا نفعلها دون خوف.
ماذا تقول الأبحاث؟
تشير الدراسات إلى أن الحركة المنتظمة لا تساعد فقط على تحسين القوة والتوازن، بل قد ترفع أيضًا الثقة بالقدرة على الحركة، وتقلل الخوف من السقوط، وتحسن جودة الحياة، خاصة لدى الأشخاص الذين مروا بفترات من الألم أو قلة النشاط.
وهذا يفسر لماذا يشعر كثير من المشاركين أن أول ما يتغير ليس أجسادهم...
بل نظرتهم إلى أجسادهم.
لماذا كان التاي تشي مختلفًا؟
لأنه لم يطلب منها أن تتحدى جسدها.
بل دعاها إلى أن تستمع إليه.
في التاي تشي، لا يوجد استعجال.
ولا مقارنة بالآخرين.
ولا ضغط للوصول إلى أداء مثالي.
هناك فقط...
حركة هادئة.
تنفس.
وانتباه.
ومع كل جلسة، كانت تكتشف أن جسمها لا يزال قادرًا على التعلم.
ربما تشبهك هذه القصة
قد لا تكون قصتك هي نفسها.
لكن ربما تعرف ذلك الشعور...
أن تتردد قبل حركة كنت تؤديها بسهولة.
أن تفكر مرتين قبل صعود السلالم.
أن تخشى أن يخذلك جسدك.
إذا شعرت بذلك يومًا، فتذكر أن الثقة لا تعود دفعة واحدة.
بل تعود خطوة...
ثم خطوة أخرى.
رسالة لكل من فقد ثقته بجسده
ليس مطلوبًا منك أن تثبت شيئًا لأحد.
ولا أن تبدأ بأصعب التمارين.
ابدأ بحركة بسيطة.
بخطوة هادئة.
بدقيقة واحدة من الاهتمام بنفسك.
فأحيانًا، تكون البداية الحقيقية ليست عندما يصبح جسمك أقوى...
بل عندما تتوقف عن النظر إليه كعدو، وتبدأ في معاملته كشريك يحتاج إلى الصبر والرعاية.
الخلاصة
لم تكن تلك السيدة تبحث عن جسم مثالي.
كانت تبحث عن شعور افتقدته منذ سنوات...
أن تتحرك دون خوف.
أن تنهض بثقة.
أن تثق بأن جسدها لا يزال قادرًا على حملها في رحلة الحياة.
وهذا ربما يكون أجمل ما يمكن أن تمنحه الحركة للإنسان.
ليس فقط قوة في العضلات...
بل سلامًا مع الجسد.
🌿 من قلب رتيم
قد يأتي بعض الناس إلينا وهم يبحثون عن اللياقة.
لكن كثيرين يأتون وهم يبحثون عن شيء لا يظهر في صور "قبل وبعد".
يبحثون عن الثقة.
عن الطمأنينة.
عن أن يشعروا مرة أخرى أن أجسادهم ما زالت بيتًا آمنًا لهم.
وربما... يكون هذا أعظم تغيير يمكن أن تصنعه الحركة.
🌿 مقالات قد تهمك
- كيف نتصالح مع أجسادنا بعد المرض؟
- لماذا نشعر أحيانًا أن أجسادنا خانتنا؟
- لماذا لا يحتاج جسمك إلى الكمال حتى يتحسن؟
- لماذا يشعر بعض الناس أن أجسامهم ترفض الحركة رغم أنهم يريدون التغيير؟
- كيف تساعد الحركة الهادئة على تحسين المزاج؟ ولماذا نشعر براحة نفسية بعد بعض التمارين؟
0 تعليقات