لماذا يبقى جسمك في حالة تأهب حتى بعد انتهاء الموقف المزعج؟


هل لاحظت يومًا أنك بعد انتهاء موقف صعب، لا يزال قلبك ينبض بسرعة؟

أو أن كتفيك يبقيان مشدودين لساعات، رغم أن كل شيء انتهى؟

وربما تستلقي في السرير ليلًا، لكن جسمك يتصرف وكأنه ما زال يعيش ذلك الموقف.

إذا حدث لك هذا، فاعلم أن المشكلة ليست في قوة إرادتك.

في كثير من الأحيان، يكون السبب أن الجهاز العصبي لم يتلقَّ بعد الرسالة التي تخبره أن الخطر انتهى.

 

عندما يظن الجسم أنك ما زلت في خطر

صُمم الجهاز العصبي ليحمينا.

فعندما يواجه الجسم خطرًا حقيقيًا، يبدأ تلقائيًا في سلسلة من التغيرات تساعدنا على التصرف بسرعة.

يزداد معدل ضربات القلب.

يتسارع التنفس.

تتوتر العضلات.

يرتفع مستوى الانتباه.

كل هذه الاستجابات طبيعية، بل ومفيدة عندما يكون الخطر حقيقيًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينتهي الموقف، بينما يبقى الجسم يتصرف وكأنه لم ينتهِ.

 

لماذا يحدث ذلك؟

ليس كل ضغط نفسي يختفي بمجرد انتهاء الحدث.

أحيانًا يبقى الدماغ في حالة مراقبة، خاصة إذا كان الشخص يمر بضغوط متكررة، أو قلة نوم، أو إرهاق طويل.

في هذه الحالة، يصبح الجهاز العصبي أكثر حساسية، فيستجيب للمواقف الصغيرة كما لو كانت تهديدًا كبيرًا.

ولهذا قد تشعر أن:

  • كتفيك مشدودان طوال الوقت.
  • فكك منقبض دون أن تنتبه.
  • تنفسك سطحي.
  • من السهل أن تنزعج أو تتوتر.
  • يصعب عليك الاسترخاء حتى في الإجازة.

 

الجسم لا يميز دائمًا بين الخطر الحقيقي والضغط المستمر

تخيل أن هاتفك في وضع الاهتزاز طوال اليوم.

بعد ساعات، ستشعر بالإرهاق حتى لو لم تتلقَّ مكالمات كثيرة.

الجهاز العصبي يعمل بطريقة مشابهة.

عندما يبقى في حالة استعداد مستمرة، يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة، حتى لو لم يكن هناك خطر حقيقي.

ولهذا يشعر كثير من الناس بالتعب رغم أن تحاليلهم قد تكون طبيعية.

 

ما علاقة العضلات بذلك؟

عندما يكون الجهاز العصبي في حالة تأهب، فإن العضلات غالبًا تبقى أكثر انقباضًا.

ولهذا يشعر البعض بـ:

  • تيبس الرقبة.
  • شد الكتفين.
  • آلام أسفل الظهر.
  • الصداع الناتج عن شد العضلات.

ومع مرور الوقت، قد يصبح هذا التوتر عادة لا يلاحظها الشخص إلا عندما يبدأ بالاسترخاء.

 

كيف تساعد الحركة الواعية؟

قد يعتقد البعض أن الحل هو النوم أو أخذ إجازة فقط.

لكن في كثير من الأحيان يحتاج الجسم إلى شيء آخر أيضًا.

يحتاج إلى أن يشعر بالأمان من جديد.

وهنا تأتي أهمية الحركة الواعية.

فعندما تتحرك ببطء، وتتنفس بهدوء، وتركز على إحساس جسمك أثناء الحركة، فإنك لا تمرن العضلات فقط، بل تعطي الجهاز العصبي إشارات متكررة بأن البيئة آمنة، وأنه لم يعد مضطرًا للبقاء في حالة استنفار.

 

لماذا يعتبر التاي تشي مختلفًا؟

ما يميز التاي تشي أنه لا يعتمد على السرعة أو الإرهاق.

بل يعتمد على ثلاثة عناصر تعمل معًا:

الحركة البطيئة

تمنح الدماغ فرصة لملاحظة الجسم بدلًا من التفاعل السريع مع التوتر.

التنفس الهادئ

يساعد على تهدئة الاستجابة الفسيولوجية للتوتر.

الانتباه للحركة

يعيد تركيز العقل إلى اللحظة الحالية بدلًا من البقاء عالقًا في المواقف الماضية أو القلق بشأن المستقبل.

ولهذا يشعر كثير من الممارسين بالهدوء بعد الجلسة، حتى لو لم يبذلوا مجهودًا بدنيًا كبيرًا.

 

هل يكفي أن أقول لنفسي: "اهدأ"؟

للأسف، لا.

فالتهدئة ليست قرارًا يتخذه العقل فقط.

الجسم أيضًا يحتاج إلى أن يختبر شعور الأمان.

ولهذا فإن التنفس، والحركة، والنوم الجيد، والتعرض للطبيعة، والعلاقات الداعمة، كلها تساعد الجهاز العصبي على الخروج تدريجيًا من حالة التأهب.

 

ماذا يمكنك أن تفعل اليوم؟

ابدأ بخطوات صغيرة:

  • لاحظ كيف تتنفس الآن.
  • أرخِ كتفيك برفق.
  • امشِ ببطء لخمس دقائق مع التركيز على خطواتك.
  • جرب جلسة قصيرة من التاي تشي أو أي حركة هادئة تناسبك.
  • لا تطلب من جسمك أن يهدأ بالقوة، بل امنحه الأسباب التي تجعله يشعر بالأمان.

 

هل تعلم؟

ليس كل توتر نشعر به سببه حدث جديد.

أحيانًا يكون السبب أن الجهاز العصبي لم يحصل بعد على الوقت أو الإشارات الكافية ليعود إلى حالة التوازن.

 

الخلاصة

إذا شعرت أن جسمك يبقى متوترًا حتى بعد انتهاء الموقف المزعج، فلا تتعجب.

فالجهاز العصبي لا يعمل كزر تشغيل وإيقاف.

إنه يتعلم من التجارب، ويحتاج أحيانًا إلى وقت وإشارات متكررة حتى يقتنع أن الخطر انتهى.

ولهذا فإن الحركة الواعية ليست مجرد وسيلة لتحريك العضلات، بل طريقة لإعادة بناء العلاقة بين العقل والجسم، ومساعدة الجهاز العصبي على استعادة إحساسه بالأمان.

فكل نفس هادئ، وكل خطوة واعية، وكل حركة لطيفة، قد تكون رسالة بسيطة تقول لجسمك:

"يمكنك أن ترتاح الآن... لقد انتهى الأمر."

 

جرّب الآن (دقيقة واحدة)

  1. أغمض عينيك.
  2. خذ شهيقًا هادئًا من الأنف لمدة 4 ثوانٍ.
  3. ازفر ببطء لمدة 6 ثوانٍ.
  4. كرر ذلك خمس مرات مع إرخاء الكتفين.

لا تحاول إجبار جسمك على الهدوء... فقط أعطه فرصة ليكتشف أن كل شيء بخير.

 

مقالات قد تهمك

إرسال تعليق

0 تعليقات